صفي الرحمان مباركفوري

104

الرحيق المختوم

خديجة إلى رحمة اللّه وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين أو بثلاثة - على اختلاف القولين - توفيت أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي اللّه عنها ، كانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة ، ولها خمس وستون سنة ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ ذاك في الخمسين من عمره « 1 » . إن خديجة كانت من نعم اللّه الجليلة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه ، وتؤازره في أحرج أوقاته ، وتعينه على إبلاغ رسالته ، وتشاركه في مغارم الجهاد المر ، وتواسيه بنفسها ومالها ، يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « آمنت بي حين كفر بي الناس ، وصدقتني حين كذبني الناس ، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس ، ورزقني اللّه ولدها ، وحرم ولد غيرها » « 2 » . وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : أتى جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه خديجة ، قد أتت ، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب « 3 » . تراكم الأحزان وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلال أيام معدودة ، فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه ، فقد كانوا تجرءوا عليه ، وكاشفوه بالنكال والأذى بعد موت أبي طالب ، فازداد غما على غم ، حتى يئس منهم وخرج إلى الطائف ، رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يؤووه وينصروه على قومه ، فلم ير من يؤوي ولم ير ناصرا ، وآذوه مع ذلك أشد الأذى ، ونالوا منه ما لم ينله قومه . وكما اشتدت وطأة أهل مكة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، اشتدت على أصحابه ، حتى التجأ رفيقه أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه إلى الهجرة عن مكة ، فخرج حتى بلغ برك الغماد ، يريد الحبشة ، فأرجعه ابن الدغنة في جواره « 4 » .

--> ( 1 ) نص على موتها في رمضان من تلك السنة ابن الجوزي في التلقيح ص 7 ، والعلامة المنصور فوري في رحمة للعالمين 2 / 164 وغيرهما . ( 2 ) رواه الإمام أحمد في مسنده 6 / 118 . ( 3 ) صحيح البخاري . باب تزويج النبي صلى اللّه عليه وسلم خديجة وفضلها 1 / 539 . ( 4 ) صرح الشاه أكبر خان النجيب‌آبادي بأن هذه الوقعة كانت في هذه السنة انظر تاريخ إسلام 1 / 120 ، والقصة بطولها مروية في ابن هشام 1 / 372 ، 373 ، 374 ، وفي صحيح البخاري 1 / 552 ، 553 .